عندما كنتُ طِفلاً عصبتُ عيوني بقطعة قماشٍ حتى لا أرى، سألتُ جدتي عن شعورها عندما لا ترى شيئًا وعلى سجادة الصلاة كانت تقول أنها ترى نور الشمس، وقلبي الصغير.
كنتُ وحيدًا منذُ عرفت أن عيني جسدي عيونٌ أخرى غير عينيّ، وأن للكلماتِ عيونٌ وأجسادٌ وعوالم منوّعة…لذا أغمضتُ عيني طويلاً و أشرعتُ صدري للفلاة يسقيها خمر الشعر…
عجبتُ لأمري كلما استيقظتُ وجدتُ لي اسمًا وعمرًا ووجدًا جديدًا بلا ذاكرةٍ بالكاد أعرفني، واذا ما مضيتُ في شأن نفسي وجدتُ ذاتي تتفتق كوردةٍ مقبلة على الحياة والضوء؛ فتجري كلماتي في مستقر البهاءِ الذي أرتضي قولهُ، ويرتضي النسبة لي أبد الدهر !
أصبحت أقول أكلما استيقظت وهبتّ نفسًا أخرى أيها المُقلب على جمر الصبابةِ؟ أضحكُ من حياتي الرخوة كيف أقلبها كيفما أشاءُ وإن نسيت !!
هذهِ الليونةُ التي أحبها تجعلني قريبًا من الأشياء والكائناتِ قدر بُعدي عنها!!
قطعتُ يدي لمّا تعلقتُ بها إذا كتبتُ فنبتت من معصمي الزهور والطيور المسافرة أصبحت قصائد.
قطعتُ يدي لمّا أحجم فمي عن الكلامِ وأصبحتُ في صمتٍ كليم لا يزول؛ فاستمرت في غي الكتابةِ لا تجاوزُ الكلمات بعد فصلها عنّي.
لا يطاوعني جسدي إن بقيت أو رحلتُ لكلٍ عضو فيهِ جسدٌ وإرادة ولغة؛ وعندما يغيبُ جزء مِني يشرقُ آخر في أماكن ومدن لا أعرفها يبشرُ بقصائدي وتعلق كلماتي على اللافتات والأماكن !
قرارُ البقاءِ والوداعِ لا يعملُ آثارهُ عليّ؛ فكل اجراء فيهِ هراءٌ محض، تداعٍ لاسحق تداعياتي الخاصة، وكلماتي التي تستحق أن تقرأ بعيون فاحصة وقلوب حاضرة.
ذهبتُ للمرآة لأقول لها بأنّي لم أعد أعوّل عليها؛ إلا أنها أصبحت صديقتي على مرّ السنين، أمسح عنها الغُبار، أضع فرشاة الأسنان والمعجون والشامبو قريبًا مِنها لتحسّ بقرب قدومي مِنها مع أنّي لم أغادرها فكلما أعود أجدني حبيسَ جدرانها وصورتها.
أهزُ جسدي بعنفوانٍ مشفق؛ علَّ أيامًا قدّ أسنت فيّ أن تزول! ولعلّ ذكرى عتيقة أن تلد ذكرياتٍ أخرى أوهب بها تعابير أخرى…
أهزُ جسدي ممعنًا في أخذي بقوةٍ لأكون نسيًا منسيا دونًا عن لغتي، وأحلامي، ونسبي… وقد تركتُ خلفي الذاكرة والقرية والربيع!
صدري المشتعل، بدأ يطفئ شموعه شيئًا فشيئًا تتبدى ليّ الحياةُ تمشي في تصريف الأعمال على الطاقة المنخفضة؛ كل شيء منخفض حتى ضغطيّ يهبطُ شيئًا فشيئًا حتى ليسحب جسدي في بحر الظلمةِ و الهنّات .
أجمّع هفواتي الصارخة، وأعلنها للملأ فمما أخشى بعد فقدان قلبي الأوّل، لستُ أشد لشيءٍ سوى وجهي كيف يُبدلَ بين الفتوةِ والعذابِ والرحيل.
غريبٌ أن يكون جسدي هو جسدي الصغير وإنّي لأحس بحركةِ الطرف الآخر للعالم فيهِ!
غريبٌ أن تكون قُبلاتي تداعٍ لاستمرار السراب في تشكيل الصور، وإمعان قلبي في الرحيل!
غريبٌ أن أقضي على قلبي بالبقاءِ في محلّةً لا يجاوز حدها وبها يعبرُ الوجود وكائناتهِ رويدًا رويدًا، حتى ليملأ صدري بالذاكرة.
كثيرةٌ الأشياءُ الغريبة حوليَّ، وهذه الغربةِ محضُ اشتهاء لقائّي ذاتي، مليئًا بالحُبّ في المتاهةِ كان صوتي المُقبل، وكنت في حيرةِ المسافر المدبر أدبر للوجود قصيدة وتراتيل.
يا أيها الإقبالُ الموشى قربًا وبعدًا قد جُمعت لك الكلمات لتكتب ربيعك وتحفظ فسائل شوقك في تربة اللقاء، يا عاهل آلام العالمين .
يا أيها المقبل إلى قلبك يؤب الطريق الذي تشتهي زادهُ الأحضان والقبلات فما تشتهي بعدُ في الفراغ؟
محوت أسئلتي بودقِ كلماتي؛ ووطنت في صدري نجومُ الأمس تشعلُ سرج الكلمات التي كتبتها وأصبحت قانونًا للحب البديع يا عاهل آلام العالمين .
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...