لن أنادي اسمي


أبهمتُ صوتي،

حتى لا يَميّزَ من يسمعني

من أيِّ نخاعٍ وُلد!


أبهمتُ وجهي،

حتى تدلّتْ من الذكرياتِ قصائدُ

دفينة!


أبهمتُ جرحي،

فبُني على وقعهِ

آلافُ الأبراجِ العاجيّة!


هبطتُ من عليائي،

ألتقط أنفاسي بالسعي في جَسِّ جرحي

والسعيِ في جَسِّ صوتي،

أَزُمُّهُ بالقبلاتِ،

وأضعُ له الحدودَ والجسورَ

حتى أعرفَهُ ويعرفني —

لكني لا أصلُ لشيءٍ، ولا أعرفُ شيئًا!


توضأتُ بالسراب،

وتبدّى لي وجهٌ تحتَ طينةِ نخلةٍ مائلةٍ،


هذهِ الثمارُ المُدلّاةُ تنتظرُ الريحَ لِتُقِلَّها عنّي، لِنسيانٍ جديد!


لن أنادي اسمي — 

ليسَ لي من خمرِ الذاكرةِ منفذٌ،

ولا بُدَّ للنسيانِ فيَّ من قصيدةٍ…


أَزُمُّ شفتيّ عندما أُلقي قلَقي،

أتلونُ بين الكلماتِ،

فلكلِّ حالٍ لَبوسُها!


أتهجّى جرحي ثَمِلًا من العذابِ الأقصى،

هاجرًا دفاترَ الصمتِ المكلوم!


أحتسي حروفي كمن يُلقي بحشاهُ في لُجّةٍ غائرةٍ في البُعدِ السحيق،


ألوّحُ بعصاي لأصفحَ عن طينٍ قد تَلَكّأَ بخُطوتي — هذه يدي قد حانت قبلَ القطافِ؛

فهل ترتوي؟ قلتُ: وتساقطَ في أحشاءِ السماءِ دمي!


مطرٌ إن حانَ غيابي الساعةُ ينثرني في البقاعِ؛ فلا أعرفُ لي محلًّا أو جهةً.

أُدوّرُ دواليبَ القمحِ علِّي أحصلُ على قليلٍ من الجُمَل،

لكنّي لا أصلُ إلى شيءٍ آخر غيري!


لن أنادي اسمي —


تُعلِّقُ هذه الغربةُ جلدي على المقصلة،

تُنادي بيَّ على الأشهادِ عُريانًا: جسدي السرابُ وقطرُ الندى،

وأحجياتُ الغرامِ التي تتمشّى الهوينا بقبلةٍ تارةً وبضمّةٍ أُخرى،

وبينهما يتوهُ الكلامُ العذب…


هذهِ كبدي مِمحاةُ الكلماتِ الأُولى، ومِمحاةُ اللحظاتِ الأُولى؛

أشيدُ صرحًا من نِسياني، أحقِنُهُ في الحروفِ

فلا تتذكّرُ أنّي أبوها! ولِمَ تتذكّرني وقد نسيتُ حروفي، ومَن أنا…


تدُكُّ كلماتي من الوريدِ إلى الوريدِ لِيَهِلَّ الماءُ باعثًا صوتي في الأرجاءِ:

هَلُمَّ وطنًا يا صدرَ المعاناةِ المستحيلة؛

هذا النداءُ قد مَحاني وجعلني أكتبُ من جديد!


أصمتُ بالكاد وقد توكّأتُ على السراب؛

لا أرجو شربةَ ماءٍ، بل أرجو لقاءَ الفراقِ — ما أعذبَه!

أعل السرابات،

أستنشِقُ وجوهًا قد نسيتُها والآن تُخربشُ على جدرانِ قلبي

بحروفٍ لا أستطيعُ لها صبرًا ولا قراءةً، غير أنّي إذا لمستُها مسستُ جراحي الأولى!


أفارقُ يدي لتكتبني،

أفارقُ صوتي لِيَهطُلَ مع الريحِ أُغنيةً،

لتطربَ السّنابلُ التي لا أُعيرُها سمعًا، ولا يُعيرُها فمي كلامًا أو غذاءً…


أفارقُ دمي لأحلَّ العُقَدَ المتناهية، وأُفَتِّتَ المتاهاتَ التي لا تعرفُ الأبوابَ —

لأنظرَ في صدري الأبوابَ قليلًا لِتُغلِقَ؛ لكنَّ الميعادَ لا يأتي أبدًا.


لن أنادي اسمي —

شقاءٌ إن لقيتُ وجعي وقد اتّخذَ وجهي قناعًا،


شقاءٌ إن وقفتُ أمام المرآة لأرى الوجوهَ الأُخرى


تجري في عيوني، وتطلعُ من ضلوعي، وترفرفُ من كتفوفي! 


أُغمضُ عينيَّ حتى لا أرى، وتشرعُ لصدري عيونُ الورى؛

ينظرونَ منها، وأنظرُ بعيدًا في محطةِ العبورِ المؤقت.


لن أنادي اسمي —

في كلِّ ليلةٍ أصحو على لغةٍ تُبذِرُ أطفالَها في نخاعي،

وتتدلّى من دمي سُحَنُ الحروفِ التي تُرويني المعنى زُلالًا؛

فأجدُ لي وجهًا واسمًا وجسدًا آخر،

كيانًا جديدًا يتعرّفُ الحياةَ من الكلماتِ كيفما جاءت.


لن أنادي جرحي —

فقد هطلتُ للحالةِ القصوى،

وليس في جسدي بقيةٌ

لِسِوى الرملِ يخلعُ مسافاتي،

ويقدُّ أوجاعي بمقصلةِ الريح!


لن أنادي اسمي —

ليسَ جسدي هذا الكوكبَ الذي لا يضيءُ، لستُ هذهِ الشمعةَ التي تشتعلُ طويلًا ولا تذوب،

لستُ هذهِ الكلماتِ التي تَهطُلُ من جراحي على الأوراقِ قصائدَ،

ولستُ هذهِ الذاكرة!


لن أنادي اسمي —

ليسَ لي نداءٌ آخر: أن أعجنَ ألمي، وأكوِّنَ جراحي الخاصّة؛

قَيْدَ النسيانِ على المدار، ليس لي اسمٌ…


يا عاهلَ آلامِ العالمين،

أفتُّ جسدي رملًا يسافرُ ولا يَقِرُّ،

زادُهُ الرحيلُ المُستعر،

ألمُ أركاني، أَصطَفي من ذكرياتي ما يحملُني على الشِّعرِ قسرًا وغيابًا،


يا عاهلَ آلامِ العالمين،

لستَ اسمًا ولا هويةً،

تدورُ في محرابِ الصمت،

تغزلُ الكلماتِ عُريًا مُستطابًا،

ولذّةَ قراءة. 



تعليقات