هكذا نموت أخرى عندما نقرأنا ( 2 ) .

هكذا نموتُ أخرى عندما نقرأنا. " النص الأول قبل قرابة الست سنوات
تسللَ الشتاءُ بخلسةٍ، فما أحسستُ إلا بأسناني " تتناغم " لتتنجَ موسيقاها تحذيراً لي؛ أن استعد فالبردُ يجلبُ معه الحاجة للمؤن. يطولُ الليّل ليزداد الأرق، و يستمرُ التذكر في خوضِ غمارِ الشعور، و اقتحام كُل أمرٍ حتى أراهُ في كلِ ذاتٍ و حدّث . كيف أنسى ما يتعلقُ ببلعوميّ كغصة، ما يتمسكُ بحبالي الصوتية كحشرجةٍ تأبى الظهور، وفي خطوتي المُثقلة بحزنِ هذا العالم. الذكريات تتجمعُ في رأسي بلا أي عمليّة منطقية، وتتركُ أثراً لا يزول من على كِتابتي. أقرأُ لأتذكر؛ ويتبدى ليّ أن النهايات تولدُ في كل بداية، هذه الحيّاة التي تمرُ سريعاً تعلم الإنسان " التناسي " إلا أنا عُلقت بحزني للحالةِ القصوى، هل يمكنني أن أقولَ شيئاً آخر غير ما أنا عليّه، بينما تحكي يدي الكاتبة " كلاماً آخر" ، ويحملُ سلوكيّ أبلغُ المعاني على وصفِ الحال. أقرأُ حزني الذي كبرَ كثيراً حتى لم أعد أعلمُ حداً لهُ، ولا غايّة. وتسعى الذكرى في دفعيّ " للقلم" الملجئ الوحيّد الذي يفهمُ ما أقولُ  . يأتي الشتاء  ليحوي الماضي بالصقيع ليجدد جسد الذاكرة،
الماضي منطقة مُحرمة حُبست فيها، ولم أستطع الخروج حتى الآن وبذا فصلتُ عن الآخرين ببرزخٍ من حزنٍ وشوق، أشتاقُ للقاء ذاتيَّ ، وأسمع ذاك الطفل " الذي " ضاع في صدري قبل أن يصيّر عاهل آلام العالمين . نموتُ مرة بعد مرة إذا فقدنا ما آمنا به عند أيّ موقفٍ يأتي ، وكأن ما نؤمن محضُ خيالاتٍ وأوهام ، أن ننقض دعواتنا، في أقلِ ما يمكنُ فيه أن نطبق ما نقول . هذه البسيطة مليئة بالمتناقضات، فالموتُ الذي يباع في متاجرِ الخُردة، وعلى أرصفة الضياع بأبخس الأثمان، يباعُ ليكون حياةً لآخرين، وكأنك تشتري ضياعك وانقراضك ليوجد من يعرف ذاته، ومن يبقى ويستمر. هكذا يختلفُ الإنسان عند أولِ ما يمكنهُ أن يتفقَ عليه " أن يعيش بأمان " ! . 
يتجمعُ الناس الذين التقيت سالفاً في خاطريّ، بعضهم علقَ في ذهنيّ وجهه، بعضهم زالَ مع الوقتِ بعض منهُ لكن هناك ما يربطنا ببعضنا، لا يودُ الانفكاك، كلنا مُحمل بالحنين لنلمسَ جوهر الذّات، نبددُ الحزن بالتذكر كما يُرهقنا الحزن بالتذكر، وفي خضم ذلك نعيشُ العُمر بكل الاختلاف ، بكل الضيّاع أحياناً
كم سيمضي من الوقتِ ليكشفَ لنا أننا نسيرُ في حلقة مُفرغة؛ يقضي الإنسان عمرهُ يدور، ويدور ، حتى يشيخ ويعلمُ أن يسيّر في الطريق الصحيح، وكيف يسيّر ، ثم يتحققُ الوصول . الذاكرة مُشبعة بملايين الأمثلة، لا يمكن الوعي بها، لكن السلوك يعييها، ويترجمها، مشاعرَ و اتجاهات ! . 
أسمعُ صوتاً للعالم في صدريّ، أسمعُ صوتاً للإنسان، للحرقة التي سكنت البشرية بنفسِ الأسباب، مهما اختلفت الأماكنُ والأوطان، فزادَ يقيني بأن الوطن الأول هو : القلب بما يحويّه يُشعرنا بقيمة الأرض، والإنسان ، والثقافة . يُعلمنا كيف نُحب، وكيف نحافظ على هذا الحب ، وهكذا يجرحنا الغيّاب، و يوجعنا الشوق . هذا القلب علمني كيف أنكفأ كاتباً، كيفَ أدونُ ما يدور في " الذاكرة" عن العالم. تطوى الصفحات بتتابعٍ سريع حتى لا نعودُ قادرين على " التذكر " ننسى قليلاً لنعي غير وعينا الأول –المتشبث بالذاكرة . كُل ما ندعيّ أننا لسنا بحاجةٍ إليه، أنهُ بلا قيّمة وأثر، عند الحقيقة حاجتنا لهُ كالماءِ أو الهواء، لقد علمتنا الجراح أن نخفي الاهتمام بالأشياء حتى تبدو حاجتنا الماسة له، لا تخفى على الناظر. لقد تعلمتُ مع مرور الوقت، أن أرضى بكتابتي ، بحزني العميق ، فذا أنا رغمَ كل الموت المتشبث بكلِ سطر، رغمَ شيوع المأساة ، ورغم انفصاليّ عن الكائنات .
أحكمُ استبدلوا القلوب القاسية بحجارةٍ ليتفجرَ منها أنهارُ الرحمة، والرفق .

أحكم أن الكتابة عليّ فرض ما حييتُ .. 

تعليقات