أيام تأتي ،،





تتجددُ الأيام؛ للقاء الراحلين بالذاكرة، وكأن كل يومٍ يجيء يأخذُ من الأيام التي سبقتهُ، بعض ذكرى، وبعضُ حلم؛ لتستمرَ الحياة؛ وتبقى البشرية في شغلٍ دائم لطلبِ الوجود. 

تسكنني الفوضى التي أعيشُ بكل التفاصيل. نصوصُ كثيرة كتبتها ونسيتها؛ أخرى كتبتها وبقيّت خديجة لم تكتمل ؛ ونصوص تلحقُ بي أينما أذهب، تقرأني ؛ وأقرأها؛ لأسمع صوت نفسي الغائبة من البعيد. هذه هي الحياة.. تختلفُ التفاصيل لكن النتيجة واحدة؛ وفوضى الشعور ما زالت أكثر ما يدلُ على النظام؛ وعلى الرتابة أحياناً. 

غابت الشمس؛ وطلع المساء المختبئ خلفَ جلدي؛ خلف الأسئلة التي تشي بي دائماً؛ لأصمت: فتتوجهُ أنظار هذا العالم لي ولسانُ الحال : ماذا دهاك؟ . يُعلبني الغيّاب إلى ذا الحد الذي أهربُ مني؛ و أجدني في كلِ مكانٍ يضع مني نسخةً؛ لتدلَ عليه؛ لتنبلج الهَويّة؛ و ليصار إلي مع كل الدروب والطرق.
تعلمتُ مع مرور الوقت أن الصمت هو أكثر ما يدلُ على ما أقول وإن لم يعلمه أحد، وإن لم يفهمه أحد ، كل شيءٍ الآن يستنطقني ليعرف؛ وأنا أريدُ أن أقول: أنا ما تراهُ؛ ولستُ مجتهداً لقول من أنا؛ بينما تدلُ علي أقوى البوصلات في معرفة البشر؛ "ما يكتبون" . 

لم أعد أملك ذاكرتي مذ كتبتُ، جاهدتُ أن أخفيها، لكنها تتسرب مع الحبر الذي أكتب به، الحبر الذي ما كتبت به إلا بعد اتصاله بي؛ واندماجه حتى صرنا شيئاً واحداً لا يتجزأ . لن أدعي السرور، تقلقني الوحدة كثيراً، مع امتلاكنا صداقة متينة؛ ما يجعلها متشبثة بي كظلٍ يأبى الانفكاك؛ وكسلوكِ بشري يحفظُ الاستمرار في الحياة. ماذا لو مل الناسُ من العيش، ورموا بأنفسهم من النوافذ أو على سكةِ القطار، سيرحلون من العالم؛ لكن العالم سيبقى يتذكر ويبكي طويلاً على كل هذا الموت الذي لم يستطع أن يحد منه.. والأرض التي نَحِنُ إليها؛ تحنُ إليّنا ؛ لذا: أشمُ رائحةً زكيّة من مسكِ الراحلين في دمي المُتصل بحزنِ العالمين .
كم هي عدد المرات التي هرعتُ فيها " للكتابة" ؟ ، أنا لا أعرفُ الإجابة، لطالما تساءلت لما نحنُ أقرب ما نكونُ لأشياءٍ دُمجت بنا؛ ومع ذا تهفو نفوسنا للبعيد الذي نتبعه لنكون تجربة جديدة، و لتحمل هذه الطرقات التي نسيرُ بها للوصول هذا الكم الكبير من العذاب؛ أن نبحث بينما القريب أمكن في تحقيقُ المراد..والغرض ..

لا أدري لم يصمتُ الناس عندما يحرجون مني ، أ لأنهم أعرفُ بخذلانهم ؛ مع كل الحب الذي بيننا !! . يتوقفون ليحفظوا ما بقي، لم يعلموا أنهم يحنطون كل شيءٍ صار .. ليصير ذكرى؛ وليعلق بالنفس . يغسل اللقاء والكلام مع الأحباب النفس من أوجاعها؛ ينسيها الحُزن في خضم اللقاء، وتذوبُ المواقف التي جمدت الحال لتحفظه من الضياع .. الضياع الذي اختير لنصيّر إلى الحُب من جديد. نريدُ أن نحافظ على الشيء بفقده، وأن نفقده لنبحث عنه عُمراً بأكمله يضيع في هذه المُعادلة ! .
أنسحبُ ببطء من الذاكرة، وأرضى العيش بعيداً عني، أن أكون كذلك يعني أن أصير أنا ..
هذه الذات .. 
هذه الهوية . 

تعليقات