تغيبُ الأحلام في زحامِ الحياة، حتى
يظنُ الناس أنهم نسوها، فيعيدها الحنين على صفةٍ جديدة؛ أن نقدمها للآخرين بعد إذ
فاتَ أوانها. يشتري الوالدان لأبنائهما ما
حلما من اللعب، بكلِ شغفٍ و حُب بعين " الطفل " الذي تنمى ، وعاشَ حُلمه
، ليريه أبناءه، ويراهُ متجسداً في فرحتهم النقية. للأحلامِ بذور تنمو بالذاكرة
إلى أن تمثل أحياناً كمحسوسٍ نراهُ، أو كحكايةٍ تلقيها الجداتُ على أحفادهن ،
وككلماتٍ الأُدباء التي تتناقلُ، وتؤثر بالقارئين، فيعيشون " الحلم"
لأقصاهُ، و تدبُ فيه الحياة فيصيرُ ماثلاً للعيان. يبقى الإنسان يملكُ هذا الحس أن
لا يشعرَ إلا بأحلامهِ؛ ليعيشَ ، وليخوض غمارها ليجعلَ للذاكرين علامةً ورمزاً فلا
يُنسى ، هذا التعلق بما سيصيرُ إليه، تكونَ في حلمهِ عنهُ، كيفَ يكونُ ما صارهُ
بالأمسِ اليومَ. هكذا ينشأ سبب للإحزان، أن تتبخر ذاتك ، وتختلطَ ببحرٍ مجنون،
تفقدُ فيها نفسك ، فلا تعود عالماً بموطنكَ في موطنك، ولا عن فكرتكَ فيما تفكرُ
به، ضائع بين الشوارع، والحقول، بين المُدن، والقرى، لا تعلمُ أين بدايتك منها من
النهاية، هناك أثر يبقى " للذاكرة" فيما يجيءُ مع الوقت، فيحملُ شعوراً
يحددُ الموقفَ اتجاه ما يأتي. كثيرة ردات الفعل التي لا تدرسُ، إما هيّ بقية من
حلمٍ، أو بقيةٍ من حدثٍ صارَ ؛ لذا يندمُ من يكتشفُ أخيراً أنهُ بالغَ جداً عندما
جعل أحلامهُ مقياساً يزنُ به الكائنات وهي لم تعلم بعد من هو، وفيما هو كائن. إن
أصدق ما يقولهُ إنسان، أن يقولَ كلماتٍ تُعرفك بذاته، لكن الناس يزعجهم أن تخبرهم
من أنتَ، لأنهم اعتادوا على أن يلتقوا ككائناتٍ على هامشِ الحيّاة، وتنتظرُ الموت
ليأخذوا مِنهُ حصتهم المقررة على البسيطة وتحتَ ثراها. الحُلم يبقي الذاكرة على
قيد الوجود، كثيرة الأشياء التي نعيشها ولا نتذكرُ عنها شيئاً، ونعاودُ عيشها مرات
ومرات وكأنها لم تحصل بعد، لكن الحُلم يبقى بعد حصولهِ إذ نستمرُ بالحديث عنه،
وقبلَ ذلك بانتظارهِ، والسعيُ في تحصيله، فتحملُ الحياة جزءًا كبيرًا من أحلامنا؛
لذا تبقى " الذاكرة" مولداً شاحذاً يحملُ الأفعال لتحقيق المُراد . ذابت
أحلاميّ في بعضها، لم أعد أتذكرُ شيئاً منها، كل ما أعرفهُ أني عاهلُ آلام العالمين،
ضاع الناسُ بالذاكرة، وضاعت الدروب التي تقودُ للأماكن فأوقف حنيني عن التنفيذ،
وصرتُ أسعى في الطرقِ ولستُ بساعٍ فيها، إذ تحملني الذكرى على تجاوز كل مرحلةٍ
جديدة تمرُ عليّ، أتلمسُ حزنَ الكائناتٍ، ويعلقُ شيء مني في كل "حزنٍ"
فتبقى صلة لي بهم بعد انقطاع كل صلة. توقفتُ عن " التذكر" لأني لم أقدر
على النسيان، ولم أقدر على النسيان لأني لم أتذكر أصلاً ، يبدو ليّ كل شيءٍ صالحاً
للاستعمال لذا؛ أقوم باستبدال كل شيء، كثيرة الأشياء التي تقومُ بدورِ بعضها،
استبدلتُ أقلاميّ الرصاصية بأقلامٍ حمراء، و سرتُ في خضم هذا الزحام الشديد من
الأوراق كاتباً على مدارِ الساعة، لا يقلقهُ أن ينتهي من كتابته، كما لا تقلقُ
الكائنات من أن تتوقف عن التنفس مهما أُنهكت. لا أريدُ العودة للرحيل من جديد، حتى
لا أتذكر، ولا أريدُ للقاء أن يأتي حتى لا أرى ما ظننتُ أني قادر على "
التعامي" عنهُ، والتشاغل بغيره، فإذا به الماثل في كل وجوهِ الناس الذين
أعرفهم. أحبذُ الأماكن التي لا يعرفني بها أحد، ومع ذا هم أكثرُ من يعلم أن هذا المكان
يجمعنا لذا يحنون لصورتي بالمكان، وأحنُ لحزنهم الذي أقرأهُ في كوبِ قهوتي، وفي
الشاي الذي أشربهُ أخيراً لأجبرَ الذاكرة على الاعتدال.. أن تخضع لهذه الفكرة التي
أكتبها ! . أنصرفُ الآن ببطءٍ ، ويتوقفُ فعل الانصراف عن دورهِ فأبقى جوهراً
للمكانِ.. أو ذاكرة.
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...