رحلتَ وما رحلت إِذ أتذكرك؛ ويتجددُ
لقاء يومي على مدار ما يأتي. لقد صرت بشكلٍ ما أعيشُ على ذكراك، أتنفسُ أحاديثنا،
و أسيرُ على سُجادة أحلامنا. لم يحدث شيء مُذ رحلت عن الدنيا إلا؛ أنك ازددت
ظهوراً حتى صرتُ أراك في وجوهِ الناس وغابت جواهرهم، وأراك في الطريقِ، في مباني
المدينة، وتجاعيدها، لقد تحولت الأشياء
لتكون أنت، ويزدادُ حنيني إليك إذ أراك من ذي المسافة ولا أستطيع الاقتراب أكثر.
ماذا فعلَ بيّ غيابك لهذا الحد، دميّ يثور علي فتقودني قدماي إلى القبر قسراً، و
أنصتُ طويلاً إلى جسدي، ألمسُ جسدي لأبحث عنك فيه؛ و أضعُ يدي على قبرك الطاهر
لأخفف وطأة الفراق. أنا حزين، صرتُ أحس بكل شعور ومع ذا لا أشعرُ بأي شيءٍ سواك.
غابَ الناس وساروا إلى ما هُم عليه إلا أنا عُلقت بذا المكان وبما حدث. أنتفضُ و
أتساقطُ كورقِ الخريف حتى لم أعرف من أنا؛ جهلتني المرايا، وصرتُ عندما أقف أمامها
أرى تجويفاً في صدريّ يظهر منه ما خلفه؛ لقد خلفَ غيابك أثاره التي يراها
المخلوقات ليعرفوا من أنا، تشكل اسميّ من انعكاس وجهك على جسدي. لابد أن تكون في
كل ما أكتبه، تتشربُ الأوراق هذا الألم وينتشر في الأرضِ تصيحُ به الكائنات. جزء منا أودع الوطن الأول، نحنُ نبكي الراحلين لأننا اعتدنا
على غُربتنا معهم، ونفقدهم إذ تنقصُ الحياة برحيلهم، أرى وجوه الناس في هذا المكان
ولا يعلقُ منها أي أحد، أنا لم أعد أعرفُ أحداً. و أخرجُ وقد علقت بذي
التربة، وشممتُ أثراً من هذا الوطن الذي ينادي بني أدم؛ أن هلموا إلي. لم يعد يعنيني
شيء، فقدت الأشياءُ قيمتها ، وصارت هباءًا منثورا. أعودُ لمنزلي الشاحب، كل ما فيه
تحول للون الرمادي، أحمل نفسي وقد حُملت هذه الأثقال؛ حزن العالم و أكتبُ عنك، و
أكتب عن كل آخرٍ سواك لانعكاسك عليه، ولأنك حويت شعوريّ لأقصى الكتابة . رحلتَ،
ورأيتُ أنا العالم بصورة أخرى، أصبحتُ أكثر قدرةً على حواية آلامه، وعيش ما يحزنه،
أصبحتُ قادراً على أن أعيش رغم كل ذلك حتى أكونَ سبب سعادة لك لو كنتَ على هذه
الأرض، وأن أُسعدك رغم رحيلك المُر، لن أكونَ غير ما يجعلك راضٍ عنيّ رغماً عما
حدث. أبتسمُ لتمثل وجهك الباسم أمامي، و ينطقُ صوتي بصوتك الذي لم أنساه، أسمعك في
كل ليلةٍ و ألتقيك وتسفرُ كتابتي عنك. يطلعُ الصبح، ويطلعُ يومي، أصافحُ نفسي أمام
المرآة، وأعتني بجرحي، أنا اليوم أكثرُ جمالاً منيّ بالأمس؛ يتلبسني وجهك، ويسلكك
جسدي.
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...