لم أعد لأن الطريق التي سلكتها طويت، وما تبقى ليّ
مما كان إلا ذكرى تتلاشى شيئاً فشيئاً. ها أنا ذا أعودُ أدراجيّ قبلتي الأرض
الفسيحة ومع ذا أُحس بالاختناق؛ إن أصغر الأماكن هيّ ما عجزت على حوايتنا رغم اتساعها.
لا يفيد كثيراً كل هذا الغياب الموهوم إذا كنا نتذكر على مدار الساعة حتى صارت أيامنا
ماضٍ يتكرر، لم يبدأ يوم جديد مذ زمن، لأن بدايته تعني بأن يد "النسيان" الكسيرة
قادرة على الوصول لغايتها بعد إذ فقدت قدرتها على فعل شيء! . ربما حتى التذكر فقد
فاعليته بعد إذ صار يحتاج للمزيد من الوقت ليعطي فاعليته؛ بعد إدماننا عليه نحن
نحتاج جرعة أكبر..وأكبر ولذا تبدو القلوب ميتة أحياناً من الكمية الضخمة من
المشاعر التي توسع الإدراك فلا يعي القلب إلا ذا القدر من التذكر، ومن الألم، ومن
السير للأشياء التي تنتمي للذاكرة والجسد الساعي بالحياة. لم يعد التذكر أمراً
لازماً إذ نمتلك من السلوك ما يكفي ليدل على التراكم، يطلُ من وجوهنا لتراهُ
الوجوه الأخرى، وبعد كل ذلك يغيب كل شيء نولد من جديد، وننمو بتربة الأرض كفسيلة تشمخ
وتغذي الكائنات التي من جنسها، لتشترك الوجود، ولتحيي الجسد الأول الذي حوى أجزائها.
يتناثر الطريق بين الدروب التي توقفت عن النمو، تتأخر الشمس عن الطلوع لتخفيّ بعض
ندب المكان، تتجاسرُ قليلاً قليلاً حتى تحوي البسيطة، ولتظهر التفاصيل التي أخفاها
الليل، ولتحجبَ التفاصيل التي يخفيها النهار. تطلعُ الشمس لينام الليل ونجومه،
ليظهر وجه آخر " للحياة" يسعى الناس، ويلتقوا بوجوههم عندما تغلق صفحات
اليوم وتفتح صفحات لليوم الجديد ومن على الأَسرة نتصفحُ "العالم" و نردُ
على الرسائل ثم ننام وقد سكنا بما حدث حد التكرر كل مرّة. نريدُ اللقاء من على
الأَسِرة، لكن الصبح ينسينا رغباتنا، الليلُ للحنين، الليل للكتابة المُسفرة،
وللوجع المُستقر يتحرك فيعبثُ بالصفاء ويصير السهر عادةً للصحوة كأمواتٍ يؤدون ما
عليهم من فروض الحياة . أنا بالفراغ الذي يُمسك بكلمات قلتها وينشأ جسد هذا النص.
أشدُ يديّ لأتوقف عن التسطير، لكن الكلمات تتضافرُ لأرى وجهيّ الذي نسيتهُ، ولأسمع
صوتي، يحل بي المكان، وتحلُ بي اللغة التي نطقت بي عاهلا لآلام العالمين. أذهب
الآن لأصافح الكائنات التي سكنتني بعد هجرٍ طويل، أتحول عنيّ ليّ في أجسادٍ أخرى و
أهطلُ على القلوب التي تعرفني بعضاً من النبض، بعضاً من الوجع الذي يسكنها يتبدلُ
ليصير أملاً وحلما ، ولأنتشرَ كالهواء في الحويصلات التي تتنفسي، ولنعلقَ أكثر
ببعضنا إلى الكتابة التي تبقي كل ذلك تاريخاً يقرأ، وشعوراً تحفظه النفوس التي
عرفتهُ .
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...