تغيرتُ كثيراً، هذا ما بدا لي بعد إذ قاطعتني زمناً طويلاً،
تبدلت أشياءُ كثيرة، ومع ذا ما زال الأحباب يعرفونَ من أنا. عندما تغيب بجسدك عن
أكثر ما أحببتهُ، فعلم أنك لن تغيب عنه، أنا أعلمُ اليوم كم كان رحيلاً موهوماً
الذي اقترفتهُ مع نفسي. كيفَ أدعي الرحيلَ و وجهيَّ لم يغب عن ذاكرةِ المكان،
وذاكرة الناس في المكان ، أقتربُ أكثر، وأسمعُ لصوتيَّ المُرتد في حناجرِ
الأقرباء، لقد فضلتُ الصمتَ بعد إذ سمعتُ صوتي ينطقُ من أفواهٍ أخرى هيّ بعضُ
جسدي، وأنا بعضُ أجسادها. تعلمتُ الآن كيف تبدأ منيّ الأشياء، وكيف تنتهي مني. لم
أعد أفضلُ التحدث، فأنا اليومَ مشتاق لأسمع من كلِ آخرٍ ينبضُ بدميَّ عنه، فأعرفُ
نفسيّ أكثر من ذي قبل ، ويظهرُ لي صورة كل ما مضى مِني ، وسكنتهُ حدَ النخاع. يظنُ
الراحلون أنهم يحسنون صنعا، لكنهم يعجزون عن النسيان، فكل ما يأتي يُذكر بالماضي،
وذي ضريبةُ " الرحيل " أن يتبعك كل شيءٍ كظلٍ، أو كحدثٍ يُدمي القلب،
ويعلق العين في تصوراتها. لقد علمني رحيلي كيفَ نمى حُبيّ لهذا الحد، أن يسع
المجرةَ ومن فيها. عندما تتغير وحدهم أحبابك من يتذكرك، أسيرُ في الشوارع، أسلمُ
على المارين الذين عرفوني بالأمسِ، اليوم لا يجرؤ أحد منهم على أن ينظرَ في عيني؛
لقد تغيرتُ كثيراً. لم يعد هناك بُد من الابتسامة في ذي " المواقف"
لتذيب الرهبة، أنا أسمعُ صوتَ القلوب النابضة، وأعرفُ لمَا لا يستطيع الإنسان
الاستمرار في " النظر " في انعكاسهِ في الحياة؛ مُرهب أن تلتقيكَ في
زقاقٍ أمام المارة، وتُذكرك بما فعلتَ ، بينما كنت تتجاهلُ من " أنتَ"
اليوم ، وما " كنتَ " بالأمسِ. يختلفُ الناس كثيراً إلى حدَ أنهم يمتلكون
ذات الأساليب في الهروب مِنهم، لقد اختلفوا في " كل " شيءٍ و مع ذا ما
زالوا يهربونَ كالأطفالِ إلى أماكنَ مكشوفة يعلمها كُل الكبار. لم أعد غاضباً من
أحد ، فليهربوا مِنيّ إلى ما يشاءون ؛ فالكلِ عائد إليّ، و ما زالوا يمتلكونَ
ذاكرةً بنيِت بما أحدثتهُ " بها " . أكتبُ لينطقَ القلم بحزنِ الكائنات
التي سكنتي، وأنسى قليلاً لِما كتبتُ لأوحدَ بالحزنِ، لنصيرَ جسداً ناطقاً صوتهُ
ما كتبتُ ، صوتهُ النامي بكلِ ما كتبتُ ونمى ليعيشَ ككائنٍ مُستقل، هكذا ينبتُ
وجهيّ في كلِ مكانٍ أمرُ عليه مرورَ الكِرام، فلا ينساني ، ولا ينساني من يحلُ به
بعديّ ، فالذاكرة تُبقي ما مضى، ليُعرفَ ما يأتي. أسيرُ حاملاً بعضُ ذكرى، تتطايرُ
الأحلام مع الرياح، وتهوي على الأرضِ لتسقيها، فيذوقُ ذروةَ حُبي الكائنات ،
وأعرفُ أن جسديّ قطعة من كل " حلمٍ" يأتي ثم يتمثلُ جسداً على الأرض.
يتهادى إلى سمعي ما بحثتُ عنه طويلاً ، يتسللُ بِبطء شديد ، حتى لا أُحسَ ، لم أعد
أملكُ رغبةَ البحثِ ، وصارَ العالمُ يبحثُ عني ! ، قلبي الذي لم يعد يهتز لرحيلٍ
راحل لا يستطيعُ العيشَ بدوني، لم يعد يعبئ بقوافلِ الآتينَ ، كثير واقف بِبابيَّ
اليوم، لهم ما للضيوفِ الذين يأتون قليلاً أو كثيراً، ثم انتهي منهم، وينتهون مني
إلى لقاءٍ آخر نتبادلُ فيه الابتسامات المُعلبة، و المشروبات، والأطعمة، غير أن
باب القلب أغلقَ ولن يفتح بعد اليوم ! . يا عاهل آلام العالمين تسيرُ في طرقِ
الحياة لتلقى أمواتاً بها يسيرونَ، فتحملُ عنهم ما يغيبُ معنى الحياة، ليكتشفوا
ذواتهم بِك، وليتموا السفر . تُغرقُ المدينة بتفاصيلها لينبضَ بك النقيضُ فيمحى
أثرُ المتناقضات؛ تحبُ لا لسببٍ تعرفه إلا أنك عاهل آلام العالمين. يا نابضاً بكل
نبضٍ، يا عابراً طرقَ الأحزانِ، تُقبل الآن، ليُعرفك ما كتبتَ، ولتقرأ قِصتك
للعالم الذي يسمعك .
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...