شمس من حروف ..






يطلعُ الصبح في مدينتي على غير العادة، إذ يتشبثُ الليل في مخيلتي لأتأخرَ عن العمل .. الصبح الذي " تأخر " أخر معه (وقت الكتابة) ؛ لأفيضَ بالشعور ، ولأفيضَ بالمعنى في العُمق لساحة الكتابة.. عندما أتأخر يغيبُ كل ما أراهُ في طريقي، يُمحى كل كائنٍ، فلا أعيشُ إلا وصولي للمكان " الذي ينتظر" و ليَّ الذي ينتظر بدايةَ اليوم الجديد ! . كل التفاصيل التي تمرُ تضمحل في أثر هذا الزحام، فلا ترى إلا جزءًا من حياة قادمة، ولحظةٍ تتجلى لسكونٍ أنمو به في " المكان" ويعلقُ له أثر في ذاكرتي لا يزول، ويقرأُ في ما كتبتُ. تتوقفُ أضواءُ المدينة عن العمل بعد إذ أنهكها السهر، ويربتُ عليها الصباح، تتغطى بشعاعهِ حتى يرفع يديه إلى حيثُ " يطلع " أخرى. سائر، أضعتُ الطريق، وأضاعني حُزن المدينة، لا أعرفُ إلا هذا الفراغ، يمحو أثار الطوفان على صدري، ليكون القلبُ خالياً من كلِ ما حصل. أَضعني على سكةِ القطار، فيحجمُ عن العمل، لديّ الكثير لأقوله للقاطرة، لكنها أبت الرجوع، والمسافرين الذين حملتهم قرروا التوقف عن السفر، والعيش على هامشِ مكانٍ عُمر بهم من " العالم " . يتبدلُ الصمت إلى كلامٍ أقرأهُ على نفسي كل يوم، ويقرأهُ كل من عرفني، أصافحني كما يفعلُ غرباء يصافحون بعضهم بحرارة، جمعتهم الغُربة، هذه الرابطة الوفية لكل المتغربين، تغيبُ سريعاً عندما يعودون للوطن، فيصيرون غرباءَ عن بعضهم البعض كأن لم يلتقوا قبل هذا اليوم ؛ لذا نزعتني من الغُربة لأقصى الحزن. 
إن الحزنَ أعظمُ ما يجمع البشرية، لذا : عندما أتشاركُ أحزانَ الناس، لا يقطعُ بيننا الوصل ما حيينا ، أعظمُ ما يصلكَ بالآخر الحزن، رغماً عن الهجر، والرحيل، رغماً عن تبدل الأحوال .. سكون النفس في ذي الحال يُعرفها كل من حضر، بل كل من غاب، عندما تسلل الحياة وتبدأ بابتسامة تعبر عن كل الحُب والامتنان ..
هناك ما يجمعنا وإن فرقتنا المُدن، وإن فرقتنا الأسباب التي تضعضع عندما نلتقي وكأننا لم نتفرق أبداً ، نفوسنا مليئة بالحبِ، لا ترجو شيئاً، ولا تطلبُ إلا هذا السمو الإنساني الذي يملأ " الروح" فتسكنُ عن مشغلاتِ الحياة، وتصعدُ لسماءٍ من الحُرية؛ تمطرُ على الأرضِ شكراً وامتنانا . عندما يجهلُ الإنسان ذاته يساهمُ بشدة في إكتشافِ الكائناتِ الأخرى، أما أنا فلا أعرفُ إلا أن أرى العالم بقلبي، ولا أعرفُ إلا أن أبحثَ عن العالم بقلبي الذي أسمعُ صوته في تربةِ الأرض، وفي وجوهِ ساكني الذاكرة، في النابضين بدميّ ، وفي العابرين حياتي للبقاء ، وفيَّ عندما أفتشُ عن كتابتي لأكتبُ وأكتبُ مرة بعد أخرى. يا عاهل آلام العالمين أُكتب ليسمعَ الكون " قصةَ " حُزنه، وليتوقفَ هذا الضجيج ليسمعك، ماضٍ حيثُ أتيتَ ، يبدأ السؤال منك لينتهي إليكَ تفاصيلاً لا تنتهي. أحملُ قلماً في ذاكرتي لأكتبَ على وجهِ المدينة أسماءُ الحزينين ، يتغيرُ اسم كل زقاقٍ وطريق، لكن المدينة التي تغيرت لم تنسى أن توقفَ مصابيحها في " الوقت " المناسب عندما أطلعُ كشمسٍ ضوئها من كلماتٍ كتبتها، ولم أدري في أيِ يومٍ تحولت من شمعةٍ صغيرة تضيءُ غرفتي ، إلى شمسٍ تصيح بالنائمين ، استيقظوا .

تعليقات