جاءَ اللقاءُ بعد إذ رحلت الذاكرة
لغير رجعة؛ نحنُ نلتقي اليوم كأننا لم نقضي الأوقات الطويلة مع بعضنا، كأننا لم
نتشارك العذابات والأفراح، كل مِنا يبادر الآخر بسؤالٍ تقليدي ليمضي اللقاء، وننشغل
بأيِ مُشغلٍ آخر عن ما صار فيه. يتعمد الناس أن يلتقوا، لكنهم لا يتحملون تبعات ما
يحصلُ باللقاء، يخرجون من الأبواب، ويودعون ما كان النسيان، يبكون الهجرَ أحياناً،
وأحياناً يهجرون. هذا العالم مليء بالتناقضات؛ وهذه ساحة عظمى للكتابة، تنمو
المعاني في تُربة العقل لأكتبها، حزنيّ الذي عرفتُ تبدل، تغير كل شيءٍ في هذه
اللحظة لأعي هذا الحدث. أنفضلُ عن ذاتي، عما أحببتُ، تنقرضُ لغتي فلا أستطيع أن
أحكي إلا هذا الصمت الذي يعرفني به الكائنات بذا تخلقُ الأسباب بعد إذ فنيت،
وأسمعُ من يحثني على أن أنتهي عن كل ما فعلتُ وأفعله على مدار الساعة. أطوي صفحةً
كتبتها، وتطويني صفحات كتبها آخرون عني، ضاع كل ما حصل في " الفراغ" ،
لا الحب باقٍ، ولا كل هذا العالم الخاضع لي يعنيني بعد اليوم ، لستُ اليائس من
الحياة، ولا الباحث في تفاصيلها ، أنا هذا الفراغ الكبير مُحيطاً بالعالم، محيطاً
بذاكرتيّ التي تفنى الآن ، لا أتذكرُ شيئاً إلا أني نسيتُ، لذا: قمت بتحنيط ذاكرتي
بالكتابة دوماً، وهكذا كنتُ أقاوم رغبتي بالنسيان. أتوجهُ لما وعيتُ ؛ ليختلط بي ،
لم تعد يديّ يدي، ولم يعد لساني يحكي ما كنتُ أحكي .. أسمعُ لي الماضي بالحاضر
السالك، أسمعُ لي بالماضي الحاضر النامي، ويتفجرُ ما نطقتُ بالأمسِ كتابةً تشعلُ
بالصدرِ الذي يتناسى حُزنه آلام العالمين. لم أعد أملكُ رغبةً بالقول بينما ما
زالَ جسديّ ينطقُ عني، يتراكمُ الصمت كثيراً وأنطق بكلمة" الحُب" ليرتد
صوتي في أرجاءِ المكان، لينتشرَ في الأماكن الأخرى. الناسُ تورث أحزانها، وتنقلها
لكل من تلقى، لأرها بعد إذ، فأعرفُ أن إخوة الحزنِ لا يفترقون وإن بعدت بينهم
المُدن. لا أدري بأيِ ساعةٍ تجيءُ الكتابة لتوقفني عن أعمالي لأكتب، لكني أعلمُ أنها
جزءُ من رئتي التي أتنفسُ بها لأعيش. بعد
إذ تخلصتُ من بعض ذكرياتي، أكتبُ وقد نسيت
لأعي حزنَ الخائنين ، هذا هو دوري لذا أصبرُ عن الأذى ليستقيم المعنى. يا عاهل
آلام العالمين تسكنُ كل راحلٍ عنكَ فيما يأتي، فلا ينساكَ، الأحزانُ جهة تُدل عليك
الأفراح ذروتها، و ما كان أولها. ينقشعُ ظلام المدينة التي توارت عن الأنظار،
ليحجبها النورُ عن أعين ساكنيها، لم يعلموا أيُ مدينةٍ سكنوا، ولا أيِ تاريخٍ
تحملهُ في أعماقها ، يكتبُ التاريخ لأنهُ ينسى، ويبقى الناسُ مختلفين في تفاصيلهِ
الدقيقة ولو لم يقرءوه ، لكلٍ غاية فهم، لكن التاريخ لم يكن يوماً خاضعاً لرؤى
قارئيه ؛لأنه الحقيقة الماضية لا غير! ، لطالما كنتُ كالتاريخ يخضعني الناسُ
لقياساتهم الفاسدة، وما يعيشوهُ في أيامهم، بينما لم أكن إلا " الحقيقة"
التي لا تخضعُ لأيِ رؤيةٍ أو فهم ، لستُ نظامَ حيَّاةٍ، ولستُ فعلاً يفسرهُ كل
كائنٍ على ما يهوى. يا عاهل آلام العالمين يبدأ المكانُ بك، وتسيرُ كل المباني
إليك، لتكون جزءاً من جسدك ، تُحس بها، وتسمعُ لأناتها ، لتدلُ عليها كلمات
كتبتها، لتعلنَ للعالم حُزنه العتيق. جاءَ اللقاءُ بعد إذ نسينا، وكالسائرين على
أرصفةِ البحر، يجمعهم الحنين، لكن الجميع منشغلُ بذاته، بينما ما يحسُ به قريبٍ
منهُ قيد أُنملة، إلا أن الجميع يفترق بعد هذا الاجتماع، ولا يتذكر أحد منهم أيُ
الوجوهِ اجتمعت، وأيُ الأحزانِ لمعت من العيون لتقرأها الأفئدة الحيّة، ولا أيُ
الكلمات التي كتبتُ وغنتها الصدورُ اللهفى، ولا أيُ الأجساد التي يدلُ عليها
الحزنُ كعلامةٍ تدلُ عليّ. نتفقُ على الفراق حين تحترقُ الأوراق، ويكشفُ المستور،
ولأن أحدنا يخشى عليه من هذا الانكشاف يتوارى غائباً ولا يغيبُ إذ يتوهمُ أنهُ
راحل.. وما يرحلُ إلا للذكرى تطبعُ أثراً عليه، فلا ينسى، ولا ينسى من عرفه ما
حصلَ. لا أجيدُ الرحيل ؛ لأني لا أجيدُ الرجوع ، دوماً ما عشتُ كل هذه المتناقضات
بين ما يفنى من الذاكرة، وبين ما يولدُ، بينَ ما أحفظهُ بالكتابةِ، ويذكرني بهِ
الآخرين حولي، وبين ما أحجمُ عن كتابته، ويكتبهُ ما أسلكه في حياتي ؛ هذه كتابة
أبلغ أن يذكرني السلوك والعادة على الحُب، كيفَ يسكنُ كلماتي إلى هذا الحد، فيكشفُ
للعالم من أنا، وما هي ذاكرتي . لا أقدرُ على الرحيل لأني ما زلتُ أكتب، أيُ رحيّل
أقصدهُ و الكلمات تذكر، فرغم كل قرارٍ بأن لا تلتقي الأجسادُ ما حييت، وأن نلتقي
كغرباءٍ لا يعرفون بعضهم بعضا، تبقى الكلمات أصدق واصف للحال. أنزعُ عنيّ كل
إرادةٍ بالبقاء؛ لأحيا كما عرفتني عاهلاً لآلام العالمين. لم يعد أحد من الراحلين
؛ لأن الكتابة تكرس وجودهم على مر الساعة، هذا ما يجعلهم يذوبون في تفاصيلِ المعنى
المكتوب، فلا أعادُ أميزُ الوجوه المختلطة ببعضها؛ عندما أتذكرُ لا أتذكر إلا
مجموع الذاكرة كجسدٍ حي يُخاطبني وأكتبهُ . يا عاهل آلام العالمين تهرعُ للكتابة،
وتهرع إليك، عابراً مُحيطاتٍ من آلم وحسرة، لصمتٍ تلقى فيه روحك التي تبثُ ذكراك
للعالمين .
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...