أعودُ في تقدمي .


















الحمدُ لله، هذا ما قاله، لم يؤلمه هذا الفراق أبداً رغم كل كلمات الحب التي قيلت؛ لقد فقد كل شيء سابقاً إلا ذاته التي بالكاد عادت لممارسة الحياة، فقد شغفه القديم؛ لم يعد يهتمُ كثيراً للراحلين ولا للباقين، وراح يرددُ في نفسه: بوجود الذاكرة يبدو النسيان عملية اعتباطية؛ لقد علمَ أنهُ لم ينسى حتى الآن، لكن شعوره تبدل، وصار ينظرُ في ما حدث على أنهُ عبرة، أو موقف يكسبه خيارات أكثر وأكثر من ذي قبل . أتيتُ مع البابِ الخلفي للمؤسسة بعد إذ منعت البلدية السيارات من السير في الشارع الرئيسي لإجراء أعمال الصيانة المُعتادة، فلا يمر عام إلا وله نصيب من زيارة عمال الطرق، الذين يحملون معداتهم، ويتركون ندباً على وجه الطريق، أتيتُ محملاً ببعض الأوراق المتهالكة، لا تختلف كثيراً عن الشارع الذي أصابته الشيخوخة سريعاً جراء كل هذا التوقف الذي حُمل به، لم أعرف أني أملكُ وسيلةً أخرى لأخفف عنها هذا الضياع غير حملي لها، ثم أخذ صورة عنها بجهاز سنكر لتبقى شابةً أطول وقت ممكن، وربما للأبد. لا أدري لماذا عندما أقرأني دوماً لا أحسُ بأني من كتبَ، وكأن ذي آلام آخر سكن قلبي، أو حتى مشاعر أديبٍ لا أعرف عنه إلا هذه الحروف ، ما زلتُ أكتب لأكتشف الكاتب فيما كتبتُ، وما زلتُ أقرأني كغريبٍ حل على مدينة غريبة، يتفحصُ معالمها كأعمى أبصر وصار ينظر إلى العالم الذي كان مُعتماً فصار مضيئاً ظاهراً . أسيرُ في المدينة وأرى الناسَ ينقرضون منها، لم تعد المدينة تطلع من وجوههم كما كانت من قبل وهذا ما أفقدهم الوطن رغم أنهم ما زالوا يسيرون على ترابه الطاهر، ويتذكرون الذكريات ، إلا أن الوطن ينسحب منهم شيئاً فشيئاً ليعشوا على الهامش كنقطة في ورقة مهملة لا يعرفُ أحد ماهي وفيمن كتبت. قلت الأعمال كثيراً بعد أعمال الطرق، لذا أصبحتُ أخرج قبل ساعتين من نهاية العمل المعتاد، و أتوجه لمقهى قريب أشربُ فيه القهوة، و أكتبُ لأطردَ عني بعض أثار الوحدة المتشبثة بوجهي، والتي تبديني أصغر من عمري بخمس سنين، أنا أعودُ للوراء فعلاً، وأرى كيف استجابت لغتي لذلك، وكيف وعى جسدي. المكان هادئ جداً إلا أن صوتَ الموسيقى التي يستمع إليها النادل بدت أرفع من المعتاد، أتجاهلها، لكني أراها تنبتُ على أوراقي، لقد أوقفت هذا الحديث النفسي إلى حديث مقروء كتبته. مررتُ على السنوات الماضية بكل تفاصيلها، دلتني عليها دفاتر كتبتها في بداية المرحلة الجامعية، وصرتُ أعرف الآن أي أثر علمته لتصنع مني ما أنا عليه، ربما حتى الذكريات تتبدل، فمع أنها باقية على ماهيتها التي عرفتُ  إلا أن الشعور بها يبدلها فتصبح ذكرى جديدة وربما تبدلت حتى الذاكرة فصارت ذاكرة أخرى. أهدمُ ما سلف، وفي كل هدمٍ أقوم به، أعود للوراء.. للطفل الذي مسك القلم أول مرّة، وللعاهل الذي نمى على جسد العالم فصارَ صدري العالم الذي حواه. تشرقُ شمس من يدي، لينكشفَ الغطاء عما كتبت، ويصير رئة العالم التي تتنفسُ الماضي كحاضرٍ أسمى، وكلغة سامقة.

تعليقات