ذاكرة وجهي .







أعود للوطن النامي في صدري، وألقي بالتحية على جميع الحاضرين، كل التفاصيل التي تركتها بقت كما هيَ، أتأملها أكثر وأكتشف كم أصبحت أكثر جمالاً من ذي قبل. 
ذاكرة كهذه لا يصيبها الغبار؛لأن ما يسكنها أحياء فيها؛ يتحركون، ويعملون، يتركون أثاراً لنمائهم في فؤادي، وأزداد حباً لهم في كل لحظة تمر بي. أعود لي، و أرتدي ذاكرتي التي ظننت أني نسيتها؛ الآن أحمل في صدري تاريخ العالم. ليست كل عودة رجوع للوراء، لقد قطعت كل الدروب التي عرفتها لأصلَ لي أخيراً؛ أنا متقدم جداً. تذوب بعض الآلام التي أحسست بها، وأراها في ما كتبت، وفي السلوك الذي ينطق عني عندما لا أريد الحديث، الصمت يحكي عني أكثر من أي شيء لذا أكتب بصمت عني الصامت الذي تصفه هذه العملية الصامتة جداً؛ الكتابة، والتي تقرأ بصمت لتفهم ، إن كتابتي من صمت أعيشه، إلى صمت كتبته، ثم إلى قراءة صامتة تعيه، فيكون جزء من الذاكرة الصامتة، ومن الجسد الذي ينطق بلا كلمات. 
الصمت عودة تبقيني أوعى بالحاضر، في سدة ما يأتي من الأيام التي تضعني في الواجهة دوماً. أحياناً أريد التحدث فيتوقف الجميع عن فعل أي شيء غير الاستماع لي، أنهم يعلمون أن صوتي سيغيب كثيراً لذا ينصت الجميع لحديثي الذي سمعتهُ قبل النطق به في قلبي، الكل جزء مني عندما أتحدث، أرى في الحضور جسدي الذي وعاني، وينبثقُ في ذهني صوت سلالتي مذ وجدت وحتى أبوها الأول، أسمع أصواتاً كثيرة في صوتي، فأبطئ في نطقي اشتياقاً ليَ في الأرض التي نبتُ منها. هذا وجهي الذي يعود للوراء فيزدادُ شباباً، ويزدادُ سكناً لطفولته، يضيءُ لي مكنوناً في صدري نمى، وصار مستقلاً عني، أنا أعرف أن لي سلالة فكر تنمو في أماكن شتى، وأعلم أن ما كتبت يخلد في قلوب من قرأ .
أستند على سور المدينة الثكلى، ويصيرُ جسدي سورها ، أتنفس فقدها، وتخنقني عبراتها. 
عندما تبكي المدينة لا يبلُ وجهها إلا خطوات الماشين عليها اليوم والراحلين منها بالغد، حزنُ المدينة بقاءها بعد الوطن، وبعد الناس الذين يشيدوها، فساروا إلى نهايةٍ مُحتمة، فتتجعد مع كل طريق ينشأ، ومع كل سبيل يزيد من حزنها أكثر، وتغرق في ذا الشعور سنيناً حتى تعتاد عليه، ويصير لها الصاحب والمقرب بعد إذ فقدت كل ما مضى. أتوحد بحزني فنصيرُ واحداً يدل علينا الاسم، والصورة، أو الكلمة التي تقالُ لنكونَ في منزلة من الأشياء، ولتسعى هويتي في الأرض تتبعها الأبصار الباحثة والأفكار التي تكونت عني. أقتربَ وقتُ هطولي، لأنبتَ بجسد يملك مقدرة أعظم ليحوي حزن الكائنات، هكذا أجددُ فكري. 
تبكي يدي معنى نستهُ، وتحيي ذكرهُ الكلمات ليقرأ من كل باحث عنهُ فيَّ، ومن كل راسٍ في ميناء من جمل وحروف يحيي ذكري لأحبَ من جديد ولأحب . 
ما يجعلني متواصلاً بالكتابة إيماني بصوتي الذي يعلوا بخفوته فأسمعه في كل الأشجار، يترقرقُ كنبع ماء يسقى أطفال الباحثين عن الخبز في حقل السنابل كل صباح. أحملُ ذاكرتي فلا أحس بثقلٍ لها، لأنها صارت عيني التي أرى بها، وقلبي الذي يكتبني وإن توقفت عن الكتابة. يتربع ظلي على المُدن التي زرتها فلا أخلوا من ذاكرتها، الآن عرفتُ لِمَ أحببت الآخر الذي لم أحس به إلا بعد إذ هجرَ، لقد اختار موته بيديه، واخترت سقايته دواء يبرأه من سيء الظنون، لم أندم على حبه لأني ما زلتُ كما أعرفني لا أحب إلا للأبد، أمضي بطريق لا يقدر على عبورها سواي، وأرى وجهي يطلعُ في كل جنبات الطريق، في لوحاته وفي الكلمات التي أرقتها ولم تولد كجمل صالحة للنشر فأعلم كيفَ أمحوني لأولدَ أشد قوةً من ذي قبل. لا شيء يؤدي إلي إلا قلبي النابضُ بك، أحبك، ويحبك العالم الذي يسكنني وأعبره كعابر سبيل اشتاق لوطنه، ولوجوه من أحبَ فيه.

تعليقات