في غمرة الاكتشاف
يخفتُ ما ظهر ولا يبدو إلا أثراً من الماضي ، لم تعد التجربة ذات أهمية بعد كل ما
عشته ؛ إذ كل تجربة من تجاربي تكون جزءًا من تجربة أخرى هكذا لا أحتاج إلى تجربة
شيء آخر فذاكرتي تمتُ لكل ما يجيءُ بصلةٍ ما، ولا تتخلفُ عن ذاك إلا نادراً وعندما
أعودُ إلى نفسيّ ، مكامنها العميقة، أكتشف أنه لم يتجاوز ما أحسستُ به سابقاً، وما
عشتهُ، لِذا أتذكرُ أن أسلطَ الضوء عليها فيظهر ليّ وجه جديد من "
ذاكرتي" ومن ما يختبئ خلفَ ظاهري الهادئ.
خفت التطلعُ
الذي كنت أحس به، وصرتُ أرى الجمالَ قريباً منيّ في كل شيء ، نمت علاقتي ببابِ
غرفتي ، بكتبي ، برفوفي الجميلة، وبأصدقاء تزيدهم الأعوام جمالاً، بدميّ الذي يسعى
بيّ بين بيوت الأقرباء ، أحببتُ حياتيّ، طقوسيّ بالكتابة، صمتي الطويل ، ثم
انفجاري بالكلام عندما يصمتُ الجميع متطلعين لما أقول. لم أعد باحثاً فكل الأشياء
تبزغُ كشمسٍ أطالت البعاد على الأرضِ التي انتظرتها ، وما أطالت البعاد. لا
أصدق بأني سأرحل عن المكان الذي أحببته، عن الوطن الذي نمى بصدري ثم قرر الانسحابَ
لأعمالٍ أخرى غير المُقام بقلبي ، أشرعُ أبواب قلبي مُسلماً ليخرج منه من شاء،
وليدخل فيه من شاء، ولتتطاير الذكريات في الهواء الطلق؛ ولأكون إنساناً آخر في كل
لحظةٍ تمر وتختارُ المقام بيّ كشيء من " الماضي " و كأثرٍ لوجه الحاضر
المتجدد في كل يوم . أعلمُ جيداً بأن ذا رحيل صُوري بينما تسكنُ في
يديّ المدن التي عشتُ فيها، وزرتها، ويغصُ صوتي ببعضِ المكان الذي خلفَ أثراً على
فؤادي المُحب ؛ تتوغلُ الأشياء بجسدي فلا أعود عارفاً أينَ هيّ مني، أحسُ بها،
وأسمع لما تقولُ فيني ، حتى تصبح شيئاً مني . يرحلُ
جسديّ، ويبقى قلبي فوقَ قرارات الرحيل والنهاية مُحباً مشتاقاً، لا يتذكرُ إلا
" الجمال " النابع من الوجوه؛ من الابتسامات التي تخففُ وطأة كل أمرٍ
كان أنهى الماضي وجعل في الحاضر طريقةً، وقوانين أخرى، للتعامل، وللمعرفة، للسعي
في الحياة.
يا عاهل آلام العالمين كما كان قلبك العالم حاوٍ لآلام العالمين يزدادُ في
حوايتها، ويتصعدُ عن " الذواتِ" إلى الجامع بينها ، تغيبُ الوجوه لا
لأنك نسيتها، ولكن ذي الوجوه صارت جزءًا من جسد الماضي المتلاشي ، الوجوه التي
صارت سراباً ولم يبقى فيها إلا الثغور الباسمة، تغيبُ الأسماء، وتنتهي الهويات،
ويبقى البياضُ دليلاً عليّ في المُدن التي غابت فيني، للأصواتِ التي رحلت قبَل نهاية
المسير لتقولَ ليّ أنها ساكنة قلبي برفعةٍ تسمو فوق كل شيء.
تتذكرُ الأرض خطواتي
عليها، حزنها الذي حملتهُ في صدري المَجريِّ، في نبضي الذي ينطقُ بمجدِ السلالة،
بالحبِ الذي عرفهُ " الناس " مني .
يا عاهل
آلام العالمين لا ترحلُ أبدا ؛ لأن العالم جسدك، هذه الأفلاكُ فيكَ تسبحُ، وتِلك
فُلك تقل " الراحلينَ مِنْكَ إليــكَ .

تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...