أنزعُ " الذاكرة "







أنزعُ الذاكرة ليوردَ " العالمُ " للتلاشي، طيفُّ يمر أمام عيني إلى مثواهُ الأخير؛ أن يكون نسياً منسيا. يلدُ بابُ غرفتي أسئلة تعبر فلكاً ليّ فلا تصلُ، أ أنا عَابرُّ أم معبور أليه؟  وما هذهِ الخطوط التي تسلُ جلديّ ليغطيّ سوءةَ الأرض ؟ . لم أعرفني ، لستُ أنا، ما هذا الشوقُ الذي يدفعني لأخطو في دروبٍ خُلقت من ضلعيّ، و تقودني إليّ ؛ أهَذا جِلديّ أم سُجادة معلقة في " السماءِ " ؛ أهذهِ سماءُّ أم هي يديّ التي غابتَ بين العواصم المزدحمة بالفؤاد.                                                                       أنزعُ الذاكرة لأرى بعينٍ أخرى مَن هو مِني ، ومن أنا مِنْهُ، الغربة التي عرفتها قربتني من الجنسِ الأسمى، ما أجملَ أن تبتعد لتقتربَ أكثر، وأن تصمتَ ليحكي عنك الجسد، لتحكي عنك كلمات كتبتها في أماكن شتى ،  ما جاءَ سالفُ الوقت بعد، تأخر، قررَ العودة عن " الطريق " فدرب موحشة تغصُ بالأوجاع لا تغري أحداً ولا الآلامُ، ولا جالبيها، لا يقدرُ المرء على السير مُغمضاً على غيِر هُدى، لا يعلمُ أ يدورُ أم يتوقفُ، الحدُ الفاصل بينَ الخطوة والخطوة خطوة أخرى بينَ ما يُحس به من الأقدام، أو التوجس والرهبة. الجسد أصدقُ المتذكرين، يَعلقُ به بعض السلوك، بعضُ اللغة التي تشي بالكثير، وبعضُ الدموع في العيون، بعضُ الحنين للا شيء، بعضُ الانتظار للفراغ، وبعضُ الأوقات أحياناً.                                                                    يرادُ لقلبٍ مجريّ أن يترك نظامه، كواكبهُ، نجومه، وسماوتهِ ؛ ليكونَ قلباً آخرا لا يمتُ للوجودِ الأول بأيِ صلةٍ أيرادُ " للهوية " أن تمحى لتخلقَ هوية من سرابٍ، أيرادُ للغة أن تفنى وقَد روت الدم، الرئة التي تتنفسُ الكتابة، والصدر الذي علا، أيرادُ للصدرِ الذي حوى الجسدَ، حوى الأجسادَ أن يكون مهوى للنسيان؟ أنا أكثرُ من ذاكرةٍ تفنى، أكثرُ من سلوكٍ يبلى، ومن صمتٍ لا يدوم، إن الصمتُ الذي ينطقُ " بالكلام" ، والذاكرة التي تنسى ليحفظَ " العالمُ " كل ما كانَ فيها على وجهه، على جسدهِ المترامي بصدري، تتجمعُ كل تِلك الثقافات، كل الآلام التي حثت الإنسان على " العمــل " وعلى الاستسلام أيضاً، على الحب وعلى الكراهية، على الشوقِ وعلى الإهمال " المُعلب " ؛ لكلٍ ألمهُ، لكلٍ حزنه، وأنا وعيتُ الحزنَ ونقيضه، تتجمعُ الأحزان فيني محملةً بالنقيضِ، بالظلالِ التي لا تسفرُ عن جسد، ولا تغني عن ضوء؛ إنهُ الفعل الصامت جداً، أن أرقبَ كل شيءٍ ، وأحسَ بكل شيء، وأبقى حينما كنتُ سالفاً، وبعدما كنتُ لاحقاً، كل تِلك المجتمِعات توردني " ذاكراتٍ " كثيرة، لا أتذكرُ شيئاً ويحفظُ ليّ كثير من المخلوقات مَن أنا، اسمي ، لغتي التي تحيا فيهم ، وابتسامتي التي تبدأ من جِذر " الفراغ " ؛ أسعى في الأرضِ لتحكي ليّ، لتنطقَ باسمي العاهلي، ولأكتبَ عن كل شيءٍ نسيتهُ، وملأ قلبي.                                   لا أكثرَ من غيابٍ يحملُ " اللقاءَ " تبعاتٍ كثيرة، لستُ منتظراً، وما كنتُ منتظراً قط، تولي قلوب شطر قلبي فأصلُ ما بينينا  " بالاهتمام" أقطعُ عنها بعض المسافات، بعض الأسئلة الجاهزة، وبعض الأجوبة التي لم تقل لأيِ سؤال فإن أقبل الواحدُ منهم إليّ، أقبلتُ إليه، و إن لم يقبل كان ضائعاً فأرشدتهُ إليّ، فإن رضى وإلا كنتُ زاده في " الطريقِ " إليّ وإن لم يعرف أيني منهُ وأيهُ مِني . لقاء كهذا خرج من ضلعي طفلٍ رضيع لا يكبر، لا يرى الأطفالُ عادةً الحياة برؤيا الكبار الذين يحتاجون التعلمَ من مدرستهِ طفولتهم لذا ينسونَ سريعاً، ولا يعرفون أسبابَ الحماقة التي يجعلها الناسُ مدعاةَ فراق، أو وداع.        ليس ليّ إلا هذه اللغة التي تعرفُ من أنا، تضيءُ العالم بين يدي وصدري، وينبتُ فيها كل سببٍ للحسنِ في الأشياء، أحبُ أن أكون وحيداً ما بقيتُ في " هذا " المكان الذي يبكي رحيلي، وأحبُ أن أجلي ذاكرةَ المكانِ، أن أحملها معي حينَ أرحل، و أنساها كما نسيتُ كل ما أدارتهُ " اللغة" في مجرة قلبي.                        يا عاهل آلام العالمين في وحدتك لقاء دائم لا يُنهى، تترنمُ بصوتِ الناس الذين سكنوا الفؤاد طوعاً، وهجروا الفؤاد طوعاً، قلبي مأوى السالكينَ إليَّ إن شاءوا وإن شاءوا فإلى وداعٍ يلقوني به على مدارِ أيامهم ، لا ينسون ، ولا تنساني المواطن التي حللتُ فيها .

تعليقات