حزن مؤجل .




قبل رحيلي بأشهر، بدأ الحنين يدب فيَّ شيئاً فشيئاً، حتى وعيتهُ وقد استعمرَ جسديَّ، ورأيتهُ في الرعشة التي تعتريني حينما أكتب وكأني خائفُّ من " شيء " ما لا أعرفه ، يسكنني ويكبر يوماً بعد يوم ، لا يستأذنني بنموه ، ولا أملكُ خياراً آخر غير مُراقبة اكتساحه ذاكرتي، وإزاحته كل ما مضى كأن لم يكن. لقد كتبتُ كثيراً حتى نسيت ما كتبت، وصرتُ أستكشفُ كتابتي، وأقرأ كغريب لم يعرف " الكتابة" حتى أجدني وأتذكرُ من " أنا" ، وأتحسسُ ما صِرتُ عليه، بيدي تارةً، وبتأملي أخرى.  الآن لم يعد من " الذكريات" حدَّث حاضر إلا قدومي، كيفَ يتحولُ رحيلاً صامتا، مُحملاً بكم كبير من المتساقطات التي أراها، الوجوهُ التي لم تغب عنيّ لحظة تُعلق بالمدينة التي هجرتها قبل الرحيّل، والحب الكبير يتسللُ ببطء حتى يغيبُ فلا يذكرني به شيء غير الزروع، والشوارع التي كنتُ أمشي عليها، ونتبادلُ التحايا اليوميِّة كل صباحٍ، وكل مساءٍ يعودُ إلى ضلعيّ في منتصفهِ، وأحكي له بعضَ الحزن الذي تحسه " الكائنات" في هذا المكان ؛ لكل مكانٍ حزنه، طرق الناس الموروثة بالتألم، بالضياع، وبالحرقة. 
معرفتي بموعدِ النهاية المُحتمل، أزال عديد من عوالقِ الماضي بقلبيّ، فأشرعتُ أجنحتهَ، وتركتُ له المجالَ سانحاً ليفعلَ ما يشاء، يختارُ من يريد، ويرمي بمن يريد سلال النسيان، يقطعُ صِلته بالعالم من جهة، ويصلُ جسدهِ بالعالم من جهة ثانية، يسدلُ ذكراه للمدى فلا يُرى أثرُّ لغيرهِ، ويقبضُ جوده ليحسَ بدفء في جنباتِ الحسِ، والتذكر.
بقيَّ اللقاءُ الأول، لا تسعفنا محاولاتِ محوه، لكنهُ جميِّلُّ جداً ليّ، لقد دلني على نمويَّ، زيادتي بما امتزتُ به عن " البشر"، وعرفتُ لمَّ أنا المختلفُ الوحيّد ، يجب أن أبقى وحيداً.
يتفجرُ من صوتيّ أسئلة كثيرة، سمعها الجمعُ الذي عرفته، الجمع الذي أحببته، وأختارَ هجراً صورياً يمارسهُ معيّ كأيِ كائناتٍ تريدُ الانتحار بأساليبَ شتى، لكنها لم تعرف أن تختار سبيلاً مُعيناً يمكنها العودة إليِّه. الآن أرغبُ بالتحدث، بعد إذ صمتُ سنواتٍ عديدة، بعد إذ صبرتُ كثيراً حتى نفذ مِني الصبرُ وبدأ " الكلام" يتسربُ بخجلٍ منيّ، ويكسو كتابتي طيلة سنوات مرّت، صار الغامضُ المبهم، واضحاً، وصارت الواضحاتُ أشد وضوحاً، ومع ذا ما زلتُ على ما أنا عليّه، ما عرفتهُ عنيّ، أسبابيّ للسفر لِذاتي ازدادت عمقاً، حتى رأيتُ انعكاس العالمِ في صدريّ، وانعكاس قلبيّ على (الجمال). 
إن وحدتي تجعلني أشد وأقوى، في النفس، وفي الكتابة التي تجمعني بكل المختلفات، هكذا لا أحزنُ على ما مضى، لكن ما مضى يزدادُ حزناً عليّ، نتبادلُ الأدوار، ويعيش كل مِنا دور الآخر .
حانَ الرحيلُ أيها العاهل، وبقي بالذكرى شذراتٍ هنا وهناك، يرتدُ اسمك مع الصدى الذي لا ينسى وجهكَ، خطوك على السلمِ الطويل الذي طويّ وصار جزءً مِنك ، ذاكرةُ تفصل بين ما كان، وما سيكونُ قريباً، ولدتُ للمكان الذي يعبر قلبَ حزني ، لحزن قلبيّ ، وليّ العاهلُ الذي نسي ما مضى ، لكنه لم ينسى يوماً أن يكتبه.




تعليقات