عُد إلى قلبك، وألقني ، ترى من كنتُ
في حياتك السالفة. إنها الرسالة التي قررتُ أن تكون الأخيرة، رداً على كل أساليبك في
التحدث رغم أن طرقنا لم يعد يصلها شيء.. لقد صار كل منا لا يملك أي وسيلة للوصل ، ولا
التواصل ، كلانا فقد الذاكرة، والطريقة التي يمكنه بها أن يُحدث الآخر، هذه التحولات
الكبيرة التي وضعت يدها على وجهيّ ليشرقَ من جهةٍ أخرى، وليعبر عن معان جديدة لم تكن
بالحسبان ؛ أتوقفُ أمام المرآة و أخاطبني ، فلا أسمعُ صوتاً ، ولا أعي خطاباً ، أتحدث
وأزداد في ذلك ثم يتضح لي أني ازددت صمتاً حتى ظننتُ أني لن أنطق مرّة أخرى ..
كل تلك الأوطان التي نلجئ إليها، طويت،
ولم يتبقى منها إلا لوافت كانت تقودنا إلى خضم عالم آخر، لا حدود فيه، ولا فواصل، تعكر
صفو القلب ، ولا توق الذاكرة.
إننا نجتمع، وفي كل يوم جديد نزدادُ
في اللقاءات، وفي كل لقاء أعرفُ أن المسافة بين قلبينا تزداد بعداً، كُل في فجٍ عميق،
لا يعرفُ أن يصل إلى ما كان عليه، ولا تسعفه الذاكرة ليتذكر الطرق التي سارها ليصل
لهذه المرحلة .
إن الهجر سلوك يدل على اهتمام عميق،
وهو سلوك يظهرُ قراراً، وذا ناتج عن رؤية وسبب ، دوما ما تنتهي العلاقات والمعارف التي
لا تشكل أهمية دون أن يحس بها أحد، دون أن يقرر أحد أن ينهيها، أنها تختفي عن الحياة
ولا تعود إلى " ذكرى" أو أقل من ذلك بكثير.
إننا موقنون بأن الهجر هو سبيلنا الممكن،
لأننا علمنا أن لقاءنا ليس إلا صورة عن الفراق المُعلب نلقاهُ في أماكن عدة من المدينة
الغائبة عنها .. كلنا نسكن هذه المدينة، وكلنا يسكنُ مدينةً أخرى في قلبه، لا ننتمي
لهذه المدينة بأي شيء .. سوى أن الجسد المحصور مقيد في بقعة منها ، لا تنتمي لها
!! .
تتوسع المرآة حتى تصيرُ جسداً، ويتوسع
الجسد حتى يصيرُ ذاكرةً، وتتوسع الذاكرة حتى تصير فراغاً، ويتوسع الفراغ حتى تعود قدرتي
على الكلام، والكتابة، أكتبُ وكأني لم أكتب قبل هذا اليوم، أتأمل حركة يدي، وأنظر للقلم
كيف يتركُ أزقة صغيرة تشكل بها الكلمات معان أقرأها، ويقرأها آخرون غيري، ليسمعوا صوت
قلبي الذي نطق بها، وليحسوا ببعض منهم في مكنون الكلام.
أعودُ، وأرى بذرتي كيف تنمو في صدري،
ثم تثمرُ، وتزيد في خضرة قلبي ، ليزدادَ عطاءً ، و حُباً .. أرى كيف تكون غراس الحب
عالماً شاسعاً من الجمال .. وأرى الجمال المتعدد يصلُ بين جسدي، وجسدي ، ويكون ذاكرة
لي في الأماكن التي أعبرها ..
لم تعد الطرق تؤدي إلى غاية، وذابت
الغايات، حتى صارت أفعالنا تضيع هباءً ..لا نختلفُ كثيراً عن المومياءات الفرعونية
نتملك كل ما يدل على أننا عظام، لكننا لا نستطيع أن نكون غير صورة مُفرغة، لا وظيفة
لها بالحياة إلا تكرار ما فعلهُ الآخرون .. ومع ذا ما زلنا نعتقد أننا نختلف عنهم،
وأننا نملك شخصيات، وكريزمات، مختلفة، وأننا نستحق أكثر مما يستحقون ! .
إنني أنتظر الحُب ليجرف المكان ومن
فيه، ويكون بصفة وشكل جديد ، ترى فيه الحياة، ويتشرفُ منه الجمال .. لكنه يطيلُ الغياب،
لأشتاق أكثر لذاتيّ، وأنفصل عن (الذاكرة) التي ستباد .
يمكننا أن نعيش رغم أننا نبتر، ويمكننا
أن نبتر ثم نختار التشبث بالعيش لنظهر بصورة لا تشبهنا أبداً، لكنها شكل من التمسك
للبقاء..
عُد إلى قلبك ، وأسمع لصوتهِ تعرف
من أنا، إن الحياة ولادة وفناء ، ولقد فنينا من الماضي ، ولن نعود لنكون ما كناه، مهما
جاهدنا لذلك، هكذا ما زلنا نجتمع، وكل منا متيقن أننا لم نجتمع، وأن هذا الروتين سينتهي
يوماً ما .. وتدشن لجنازته تشيع يليق به، كان يجب أن يكون مُبكراً جداً ..

تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...