يبقى ما فضلَ من الأشياء ليواجهَ
مصيره للوطن الجديد، مسيره عبر طُرقات المدينة من الصباح الباكر حتى يستقرَ في
المكب المنبوذ على " طرفها " . يزدحم المُكب بكل المنتجات التي قامت
بدورها على أكمل وجه، وبقي لها أن نقضي بقي حياتها فيه، أو أن تعود لتكون في يدٍ
أخرى .. تستعمل، وتتلفُ ما تستعمله ليلاقي ذات المصير في النهاية.
لا يزور أغلب الناس مكبات النفاية
في مدنهم، مع أنها بقايا ما عاشوا معه فترة
كافية من الزمن.. ليبقى بينهم السؤال والسلام على أقل الأحوال ، لكنهم
ينسون ما فعلت تلك المُنتجات في حياتهم، ويرسلونها للمكب، ويستبدلونها بأخرى..
ببساطة كل ما ينتهى مِنه يرمى بمكبٍ ما في طرف المدينة، أو في طرفٍ بعيد في العقول
التي لا تتقبل وجود أفكار غير تلك التي يستطيعون فهمها والتعامل معها ، أو ربما
الأفكار التي أوصلتهم للمرادات التي أرادوها ثم تركوها تواجه الموت، وتركوا
مُعتنقيها في ذات المكان .. المكب .
هكذا يصيرُ المكب أطهر الأماكن في
المدينة، أنه من يساهم بشدة في تنظيف المدينة من الأفكار المضرة العالقة بها، من
المنتجات التي انتهت فترة صلاحياتها، ومن المشاعر التي ارتبطت بهذه الأشياء وشدت
معها الرحال.
تترنحُ أفكار عفنة من الوجود في
الأماكن المأهولة، فيرمى بها وسط المكب فتكون أكثرَ طهارةً وجمالا؛ لأنها جزء من
هذا الجسم الواعي لكل مُنته.
***
جاء المكبُ للمدينة خلسةً ..
تورى خلفَ سُتر الليل، مدّ يديه للأزقة والشوارع التي خرج منها ليلتقط
بعضَ ذكرياته، وبعض جسده المنسي بين جنبات المدينة .. يمتلئ ولا يمتلئ ثم يعود في
الخفاء لطرف المدينة ، يعود مجهولاً بعد إذ عرفته كل الكائنات من قبل .
إن المكب من أكثر الأشياء جمالاً،
لأنه يوجد بيئة جميلة يمكنها أن تكونَ ذات جاذبية أكبر وأكبر بمساعدته، إنه جميل
عندما يجعل الجمال ممكناً بشكل أكبر في كل مرّة يمكنه فعل ذلك .
إن المكب أكثر الأشياء إخلاصاً
للمستهلكات فيكون لها وطن بعد إذ نُبذت من قبل ، ويوفر لها مكاناً يبقيها وقتاً لا
حدّ لهُ . للمكب نظام حياة، وقوانين ، لا يعرفها الكثير ، لكنهم يلجئون إليه رغم
أنهم لا يعرفون عنه شيئاً، هكذا لا يحسُ الناس بمن أثر في حياتهم حتى وإن كان تأثيره
عظيماً فينسون وإن حزنوا ، ويحبونَ من جديد بعد إذ ظنوا أن " الحب "
انتهى من الحياة في مُفارقة تتكرر ما تكررت الأيام ليستمروا في العيش حتى يعرفوا
الحقيقة أخيراً.
المكبُ ظل المدينة يغطيها ،
ويحجبُ عنها كثيراً مما لا يرى ، كثيراً مما يتلاشى ، وينتهي كفضلات خلفتها
الكائنات البشرية.. مخلفات تدل على مكان شغلوهُ، ووجه بوصلة المكبات ليدلَ عليهم.
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...