لم أعد أعرفُ نفسي في اللحظة التي عرفتها
فيها، إنها لمفارقة أن تعرفَ أنك لم تكن أنت، وأن كل شيء على نقيض ما عرفتهُ عنك ؛ إلا
جسد، واسم ، تحمله معك أينما ذهبت، ويعرفوك الناس به؛ الحقيقة أن ما يعرفهُ "
الناس " عنك ليس ضرورياً، لأنهم لا يعرفون عنك أي شيء سوى ما يريدون أن يعرفوه
عن الآخرين ؛ أفكارهم ؛ و انطباعاتهم المتوارثة!!، وربما أنفسهم فيريدون رؤيتها في
كل ما عداها من الأشياء .
راح الليل ينسحبُ من غرفتي شيئاً فشيئاً،
حتى حل الصباح، أرى تسلسلاته ببطئ ولم يبقى فيّ مقدرة كافية للتركيز بما أشاهده فلم
أنم مُذ يومين، لا أفكرُ في شيء، أتأمل الجدار حوليّ، الآثار التي خلفها المستأجر السابق
عليه، وبعض الملصقات التي تذكرني بأيام طفولتي لا لشيء إلا أنها بلا أي معنى، هي ملصقات
فقط لا تحملُ أي صفة أخرى، كثيرة المخلوقات التي تعتاشُ على كونها ظلاً أو ملصقاً،
لا صفة لها إلا أن تكون تابعةً لشيء ما، ولا تهم ما قيمة هذا الشيء فقد يحالفها الحظ
لتكون ذات قيمة، أو تنزل لأسفل السافلين، إنها مخلوقات تعيش على الصدفة أيضاً ..
لقد نزعتُ أخيراً كل تلك الملصقات الطفيلية
من على جسديّ، وغسلتُ ذاكرتي من أثارها حتى بدأتُ لأكون إنساناً آخر لا يفكرُ بأي ماضٍ
مرّ، فلا يبقى في نفسيّ إلا الحب، وبعض الوجوه التي أحببتها حتى حُفرت في ذاكرتيّ،
و ارتسمت على وجهي، فصاروا يشاهدونَ بيّ، يقولون أني أصبحتُ أضحك مثلهم، وأن حديثي
تغير مع الأيام، إن هذا ما يفعلهُ الحب ؛ أن يجعلنا أجمل وأجمل في كل لحظة تمر في حياتنا.
إن
العالم الشاسع في نفسي، يكبرُ كل مرّة
أبحث فيها عني، وكل تلك المحاولات أزدادُ يقيناً بأن لصدريّ المجريّ نظام
متكامل تسيرُ
فيه الأفلاك التي قلها، وتسيرُ فيه الذكريات التي أحببتها، وجعلتُ منها
صوراً عنيّ
في العالم، لقد امتلكت تلك القدرة على اكتشاف أي ملصق لا يمت لكونيّ بصلة
لأنزعه، وسرعان
ما أرى بعض تلك الملصقات تجدُ لها أجساداً ليست سوى جدران تحوي المزيد من
الملصقات
التي تعطيها منظراً مميزاً، إن تلك الأجساد ما هي إلا رغيف تلك الملصقات
الطفيلة التي
تقتات على وجود غيرها ولتبقى حيةً تدمرُ كل ما يجعل تلك الأجساد تهتم بشيء
آخر سوى
لذاتها، وشهواتها الفارغة جداً، ومع مرور الوقت قد يعرفُ من شاخ هل كان
ملصقاً، أم جداراً، وهذه المعرفة الأخيرة لا تستوجبُ إلا صمتاً يناسبُ هذا "
المقام " الأخير المتأمل في الحياة التي لا تساوي شيئاً؛ حتى قيمة هذا
الملصق ! .
تعليقات
إرسال تعليق
علق وجودك بالكلماتِ التي تكتبها لتحيا في رُده الشعور...