ظليّ الذي أنثنى عني ..




خارجاً عنيَّ، أودعُ الأفكار التي سكنتني سنين طويلة، وأسيرُ للمدى الفسيح الذي يتعلقُ بيّ ؛لتوقِ الكتابة.  ذا ما عرفتهُ بعد إذ رأيتني إنساناً كسائر الناس الذين أراهم في حياتي. أرقبُ ما أفعلُ، وأدرسُ لغتي ، وأرى الآخر فيَّ كيفَ تنمو أفعالنا ليعلم الكون كم أحببنا بعض جداً، وكيفَ تدلُ دروب المدينة إلينا عندما يبحثُ عن الضوء فيها. يهطلُ صوت المساء على مسمعي في ذا المقهى، أستشرفُ الماضي الذي ينمو بالمكان شيئاً فشيئاً حتى مُنتصف الليل إذ يبلغُ جذوته ، جميلة هذه الوحدة المليئة بالقهوة، أُنبه عن تسلل الذكرى على دفتري الذي ينتفضُ الآن بعد لقاءه الكلمات. تدورُ الأحداث حتى تضيع في زحام الشعور، يختلطُ كل شيءٍ، فتصيرُ الفرحة مشوبة بحزنٍ، والحزنَ مشوباً بترقبٍ ولهفة، لا للشوق أقرب، ولا للحزن أقرب، وفي منتصف هذا الاختلاط أتسللُ مني، لأعيشَ ما أحسستهُ لأقصاه. وأقفُ قريباً من قلوبِ من حوليّ لأسمعَ شيئاً عن ذكراها، وعن ماضيها المُختزن بالوجوه الباسمة وما ابتسمت. أحكي وأنا أعلمُ أني ما زلتُ صامتاً، تخفت الكلمات شيئاً فشيئاً حتى يغيبُ صوتي، لينطقَ عني المكان، وأعين الناس التي تطيلُ إليّ النظر حال شرودي؛ كلهم يعلمُ أني أعرفُ من "أنا" فيهم، ومن هم في هذه اللحظة. مرت وقت طويل على اللقاءِ الصامت بيننا، لقد اعتدناه حتى إذا ما قررتُ الكلام ، حُبس حتى تحكيه عيني. هذا ما يصيرُ الآن، لا أريدُ لكلمةٍ أن تحدَ ما أحسستُ به، وأن تجعلهُ قالباً لا يعبرُ عن حبي. أن أعيشك رغم الفراق ذا يعني أنك حياتي، لا أحد يتذكرُ من "هو" لأنه يعلم أنه حاضر في الآنِ، وهذه حقيقة أمري، كيف أتذكرُ وأنا لم أنسى قط، وكيفَ أنسى و قد صارت أفعالي تدلُ "العالم" على من أحببتُ. رغم كل ما مضى، يبقى الحاضرُ مشوباً بالماضي، كإبريقٍ تذوقُ فيه أثرَ ما شربتَ مِنهُ من سنوات عدة لذا يميز من يشرب الشاي أهذه إبريقٍ قديمة أم لا، لا من مظهرها إنما من المذاق الذي يعلقُ بالذاكرة رغماً أن لا محلَ لهُ فيها؛ هكذا يوضعُ معيار آخر للكتابة، أن مداومة الكتابة على ذي الحال التي أنا عليها، يجعلُ لها مذاقاً أكثرَ جودة، وأفضل مني عندما أكتبُ لقوالب أخرى، ذا القالب الذي صارَ اسمي، فلا يعرفُ إلا بي، ولا أعرفُ إلا به ، ورغماً عن كل ذلك نهوى الخروج عن أنفسنا، و التفسح بين الذكريات، و الآثار التي طُبعت بالنفس ، والتي تأتي الكتابة لتجعلها مُهمة وملهمة. أريدُ أن أبقى هنا، لكني هُناك حيثُ وعيتُ ذاتيَّ، من أنا، حين تشربتُ عاهليتي لآلام العالمين، فصارت حياةً أُمضيها؛ لأعيش. بعد أن صارت الكتابة رئتي التي أتنفسُ بها، أرها اليومَ قلبيّ النابض الذي يتدفقُ بالحروف كما الذكريات التي تترامى على الأرضِ التي أعيشُ عليها . يا عاهل آلام العالمين ماضٍ إليك ؛ يتوزعُ بعضك بالعالم إذ تعيش كل ذكرى، وتسكنك الأحزان يا وطنَ الأحزان، يا جسدَ الذاكرة. ظليّ الذي يسكن توقَ المدينة يعودُ الآن بعد إذ جاء الليلُ وحجبه عن " الأنظار" ؛ كما تعود إليّ الأحزان في كل ليلة.

تعليقات