جلد الكرسي




لم يطل مكوثي على الكرسي كثيراً، اختارت الأشياءُ نهايتها لِأكون وحيداً، فالذكريات تتساقط لتذروها الرياح التي تحنُ لهذا المكان، وأرني صورةً بين أوراق الخريف التي حانت حريتها أخيراً بهذا الانفصال لتسيحَ في الأرض وتختلط بتركيبتها فتصيرُ جزء منها. أراني أجزاءً من جسد الخريف الذي يطلُ برحيله على المدينة فتغفوا مهابةً، ولا يعادُ يرى منها أيُ معلمٍ سواه، الشوارع ذابلة، تصدئ عواميد الإنارة حُزناً، ويحمل الخريف جزءً منها لا يعود مرة أخرى، لم يعد هناك أي مواطن هُنا ، تلاشى الجميع مع ذاكرة الخريف بعد ذلك يخرج الناسُ بأنصاف وجوههم ، بأنصاف ثيابهم وأرديتهم ، بأنصاف أجسادهم، وبأنصاف أحلامهم، نصف في هذه المدينة، ونصف سبقهم للضياع هائماً في الكرة الأرضية ، لا يعي من أين أتى، ومن هو، وفيما هو سائر.
أدورُ.. لأعود للكرسي الموصوم بي، أجاهدُ نفسي بنسيان الراحلين، وبتوديع الذكرى على مفترق أحد الطرق؛ للأشياء الثابتة طرقها بالانتقال لا يعيها المدجن بثبوتها لذا؛ هذا الكرسي أسرعُ الكائنات التي عرفتها، ففي كل مكانٍ أذهبُ إليه أجدهُ السابق إلي من كل آخرٍ ولا أدري أينا يسبقُ لحضنِ الآخر، و أبداء التحية. لا تتملكني رغبة بأن أكون الأول لأني مللت ذلك، لكني ما زلتُ أعيش وحيداً لذا أنا الأول والثاني والثالث والمليون.. بينما لا يتبدل من الأمر شيئاً فهذه طبيعة الحال ؛ عندما تكون وحيداً فأنتَ كل شيء كما كل شيء أنت، كل وحدةٍ تجلبُ توحد أكثر وأكثر فتغيبُ الفروق وتصبُ في هذا الكيان الواحد، وتذوبُ فيه.
تزايد شوقي لهذا الكرسي مع انقشاع الليل شيئاً فشيئاً أرى جلدي الذي ينمو على حافته كغصنِ عنبٍ متمدد، يسير، ويكتشفُ ذاكرة الخشب من البذرة إلى الكرسي. أمتدُ لأسمع وأرى حزنهُ الذي يمتدُ على جسدي. لم يبقى شيء من السنوات إلا نصوص كتبتها لتدلني علي، ما شعرتُ به بالأمس، وصرتُ أفقده اليوم، وأرفضُ أن أشعرَ به بينما يغرسُ بذوره بجسدي عنوةً، فأعيِّه ذاتي التي أعرفها.
لقد انقرض الجميع ولم يبقى إلا أنا والكرسي، منذ سنين بدأ العالم يتسربُ شيئاً فشيئاً في صدري حتى صار صدري العالم ، أصبحت أمدُ يدي وأرى فيها حقولاً وأنهارا، مدناً وقرى، أناساً وحيوانات، غابات كبيرة، وصحراءَ شاسعة. وصار كل مختلفٍ يطبعُ أثرهُ في قلبي لأقسو وأحبَ، ولأعفو وأعاقب، ولأكتبَ، ولأنسى ما كتبتُ . أنسى لأتذكر أكثر مَن أنا، وليبدأ اسمي بالانتشار في الهواء، اسمي الذي نطقَ به الصمتُ بعد إذ آمن الجميع أنهُ لن ينطق بشيء.
تسير بي الأرضُ، ممسكةً بيدي، و أرى الفصول الأربعة تطلع من وجهي كشمسٍ طالَ غيابها، فيذوبُ الجليد حتى يطلعُ الطفل فيَّ كفلقِ الصبح، يحبو على التراب الذي نمى منهُ، ويعجن التراب الذي خرجَ من طينتهِ، يحدثهُ فيعيه وطنه القديم .  لا ينسى الترابُ مهما كبرَ طفله أيامه الأولى. بقيت تربة عالقة بي لا تنفضُ كذكرى محوتها وما نسيها جسدي .أبسطُ جسدي لأرى الكرسي فيهِ كل مكان غاب عنهُ يذوبُ بمكانٍ طلعَ من رحمهِ فينمو جسد آخر في جسدي، لكن صدريّ الذي حوى العالم يتوقفُ عن تنفس الآخر إلا جزءً منيَّ لذا أُحب المنتمي بي ، ويعلقُ بي من أنساهُ .
أسير وتتبعني أقدام الكرسي الذي توحد بي، أراهُ بظلي فأعرفُ أيُ جسدٍ نمى بي، وأي لغةٍ تبدلت لتصير لغتي . أجلسُ على الكرسي، أتأملني بمرآة السماء ، لم يعد الماضي يشكل معضلة بعد إذ برأت جراحي، وردم شقُ العالم فيه، لقد توقفت الزلازل والبراكين منذُ أمدٍ بعيد لأنها لم تعد تملك مقدرةٍ على أحداث أي ضررٍ بقلبي ، في كل لحظة يتوسع قلبي أكثر وأكثر وتصبح قوته أكبر .
أرحل الآن ويتبعني جمع من سكانِ الكرة الأرضية، لم أعلم قبل هذه الدقيقة أن هناك باقٍ من الجنس البشري غيري ، لكني لا أعبأ بهم ، و أسير لا يقدر على أن يتبعني إلا هذا الكرسي .

تعليقات